مؤسسة آل البيت ( ع )

45

مجلة تراثنا

به من أنه لم ينقلها ثقة بها وإنما هي روايات بلغته والعهدة فيها على رواتها ؟ ! لقد أسقط ابن الأثير تلك الأسانيد وأبقى النصوص وكأنها الحقائق التي لا شك فيها ولا غبار عليها ! فإذا تذكرنا أن هذه الحقبة الحاسمة من التاريخ قد حصرها الطبري برواية سيف بن عمر في الأغلب الأعم ، وإذا تذكرنا من هو سيف ، ومن هو راويته الأول ، علمنا عندئذ فداحة الأمر الذي ارتكبه ابن الأثير ! وعلمنا أيضا مدى ما لقوله الآتي من حقيقة ، ومدى ما له من أثر فادح في ثقافة الأجيال وعقائدها . . . ذلك قوله وهو يصف مصادره التي اعتمدها في تاريخه وفي مقدمتها روايات الطبري عن كتب سيف ، فيقول : ( على أني لم أنقل إلا من التواريخ المذكورة ، والكتب المشهورة ، ممن يعلم بصدقهم في ما نقلوه ، وصحة ما دونوه . . . ولم أكن كالخابط في ظلماء الليالي ، ولا كمن يجمع الحصباء واللآلي ) ( 66 ) . فكم بين هذا وبين ما قاله الطبري في ديباجته ؟ ! فالطبري لم يوثق ما نقله ، بل على العكس علم أن فيه ما يستنكر ويستشنع لما فيه من مجانبة الصواب ، فقدم عذره إلى قراءة بأن هذا قد أتى من رواته لا منه هو ، وجعل وسيلته إلى هذا العذر أن ذكر الأسانيد كاملة ليقف القارئ عليها فيأخذ بروايات الصادقين والممدوحين ، ويترك روايات الكذابين والمتروكين . أما ابن الأثير فقد أتى على تلك الأسانيد فحذفها ، ثم حكم بصحة كل ما ورائها ، معللا ذلك بأن الطبري قد رواها في تاريخه ، والطبري إمام لا شك في علمه وصدقه ! ! إن هذا لفادح من الأمور . . .

--> ( 66 ) الكامل في التاريخ 1 / 3 - 4 .